|
|
|
|
|
أهلا بكم في فضاء الشاعرسـلام سـرحانخطوة الشاعر أرض مضافة إلى هذه الأرض
لا يمكنني أن أتصور الشاعر موضوعيا في علاقته بالشعر! فالشاعر منحاز "مع سبق الإصرار!" فكلما كان الشاعر موضوعيا في علاقته بالشعر، وهن مشروعه وقوة الدفع الداخلية لكتابة نص شخصي مختلف! والعكس صحيح! فكلما كان الشاعر محلقا في أفق ذاتي مختلف وغير منطقي وغير مؤسس، كانت ذخيرته أمضى وذهابه أبعد!
من هنا وبحماس شديد وبذاتية مطلقة أرى أن الشعر هو الوسيلة الوحيدة التي نواجه بها مأزقنا الوجودي ونتقدم بها في الآفاق اللانهائية التي تعلن محدوديتنا بوقاحة مريبة.
أعتقد أن الشعر لا يكون إلا إذا تخلى عن كافة الوظائف النفعية والاجتماعية! الشعر الحقيقي كان على مر التاريخ إفلاتا من الوظائف ومن شروط المنجز الضاغطة، ذلك المنجز الذي خلط تلك الوظائف بهوية الشعر، حتى أصبح معظم متلقي الشعر ينتظرون من القصيدة ما ليس من الشعر في شيء، وأصبح للمنجز مناخاته ودروبه الضيقة.
أعتقد بذاتية مطلقة، أو بتعسف لا فرق، أن "وظيفة" الشعر الوحيدة الخالصة هي مواجهة الحصار الوجودي وجعل محدوديتنا محتملة، فهو كما يقول وليم بتلر ييتس "استعداد لانهائي لشيء لن يحدث قط". لا أعتقد بإمكانية كتابة قصيدة عن الموضوعات العامة بصوت شخصي، إذ لا مناص من دخول المنجز والجوقة بين طبقات صوت الشاعر.
وظيفة الشعر الوحيدة هي التوغل في الهم الوجودي للشاعر. الشعر هو السبيل الوحيد للتقدم إلى الداخل، وهو الاكسير الذي يطلقني في المهمة الدون كيشوتية الأزلية لإيقاظ عماء الطبيعة. إنه محاولة للامساك بـ "الآن" الذي يساوي الأبد. هو ذهاب إلى مادة الوجود الأولى وتشكيل ما لم يتشكل.
أهم ما يسترعي انتباهي في النص الشعري هو حضور المواجهة الوجودية للشاعر في فضاء النص، ذلك الحضور الذي لا يكف عن الإيحاء بأنه يوشك على إيقاع الأبدية في شراكه!
أنا مشغول بعلاقتي "الشخصية" بالكون. لم يخطر ببالي يوما أن أكتب "شعرا" عن موضوع خارجي. أنا أكتب عن خط تماسّي مع الكون، أكتب جسدي ورحلة حواسي. لا وجود للأشياء والعالم الخارجي إلا إذا كانت أشيائي وعالمي. لا أعتقد أن هناك ما هو أقرب إلى الإنسان من جسده وهمومه الوجودية. أنا لا أحدد ما يعنيني! بل أجدني معنيا به. نصوصي هي تاريخي السري. عندما أكتب أتلصص على جسدي واشتباكه مع الكون. الكتابة هي عملية "تناص" مع جسدي. هكذا أرى العالم، وذلك ليس بعيدا عن رؤيتي للعالم حتى خارج الكتابة! الشعر عندي لا يحاكي الواقع ولا يشتغل على ما أنجزته الطبيعة. إنه احتمالات أخرى، عوالم وشهوات لم تدر في خلد الواقع.
في الشعر أحاول شق طريقي إلى خارج هذا العالم، الذي لا يكف عن الإشارة إلى محدوديتي. في الشعر أنقب عن خلاص وجودي ما!
الشعر لا يمكن اختزاله إلى صور شعرية منمقة ومتجاورة، ولا هو قصائد جميلة تتراكم، إنه مشروع شاعر، راءٍ يريد أن يقول أنا أرى العالم من زاوية مختلفة، ألمسه وأرى طريقا شخصيا للإفلات من أسواره. لهذا فإن أول ما أبحث عنه عند قراءة الشعر هو حضور الشاعر ككائن ينبض خلف سطح النص، وإذا لم أعثر على ذلك فإني لا أستطيع مواصلة القراءة.
في النص الجيد أجد الشاعر يتقدم بيقين إلى دواخله، وهو في الوقت نفسه يتقدم بي إلى دواخلي. في النص الرديء يتحرك بعشوائية على سطوح الأشياء والكلمات، يكتب ما لا يجد له مرادفا في أعماقه فيأتي النص جثة هامدة.
أعتقد أن إيماننا بالشعر سيتعاظم في المستقبل، وأن تحليق الإنسان سيزداد اقترابا من لهيب الشعر. إمكانية الاقتراب من الشعر لانهائية، لكن يبقى القبض عليه مستحيلا! جميع القصائد هي محاولات فاشلة للقبض على الشعر لكنني:
بيقين دون كيشوتي أواصل انتظار القصيدة التي ستوقع الأبدية في شراكي.
|