|
|
|
|
قاسم حداد
|
الشعر كان قنديلي ودليلي الذي لا يخطئ
شاعر يتحرك في قلب المختبر الشعري العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود، لم يتوقف خلالها عن التجريب وارتياد الأبعد والأعلى، وصدر له خلالها ما لا يقل عن خمسة عشر كتابا شعريا وعدد من كبير من الدراسات والمتابعات والكتب المشتركة. من أبرز الاعترافات الكثيرة بدور قاسم حداد في مشهد الشعر العربي الحديث، حصوله على جائزة العويس، التي كرست منذ تأسيسها حتى اليوم مصداقية عالية باستنادها الى آلية تحكيم صارمة. فأصبحت أرفع جائزة عرفتها الثقافة العربية. منح جائزة الشعر لقاسم حداد، كان له أكثر من دلالة ومثل تحولا نوعيا في سجل الجائزة، فهي المرة الاولى التي يفوز بها شاعر، لا نقف عند كونه يكتب قصيدة النثر بل كونه شاعرا تجريبيا. لذلك سألنا قاسم حداد أولا عما يمثله فوزه بالجائزة بالنسبة للمشهد الشعري؟ = أحب أن أرى في ذلك نوعاً من الإشارة الإضافية الرصينة لحضور التجربة الشعرية العربية الجديدة في صلب الحياة العربية وفي حلمها خصوصاً. أقول إشارة إضافية، لكي أعني بأن الإشارة الأساسية سوف تمثلها دائماً تلك التجارب الفردية التي اقترحها، على المشهد الشعري العربي، عدد من الشعراء الذين هم الآن أبرز من يمثل الشعر العربي الصادر عن هذه الحياة العربية المحتدمة بشتى تجليات هذا الاحتدام. وهي تجارب تستحق الجائزة و التكريم دائماً. من هذه الشرفة، أعتقد بأن جائزة رصينة من هذا النوع من شأنها أن تسهم في تكريس التجربة الشعرية الجديدة التي ظلت طوال سنوات منعطفاً جوهرياً في المغايرة النوعية لمفهوم الشعرية الحديثة، وهي شكلت أيضاً حقلاً حياً من الحوار الجدل النظري والنقدي المرصود بالنصوص الإبداعية الجادة، التي تستوعب وتتمثل دورها الحضاري في سياق تجربتنا الإنسانية. وأتمنى في السياق نفسه أن تسهم مثل هذه الإشارة إلى دفعنا إلى الانتقال من التداول المكرر للعديد من المصطلحات والنقاشات لقضايا باتت قديمة في التجربة الشعرية، إلى تأمل القضايا التي تقترحه التجارب الجديدة بمعزل عن استعادة القديم المتجاوز من القضايا الأدبية والشعرية في العالم. أظن أن علينا، مثلاًً، تأمل موضوع: تحولات الدال والمدلول وتجليات المعنى في الكتابة الشعرية الجديدة. وهي قضية من بين ابرز وأهم منحنيات التجربة الشعرية الجديدة،ليس في الشعر العربي ولكن في الشعر عموماً في لحظة كونية بالغة الاختلاف والتحول الرؤيوي. · ما الذي تمثله الجائزة لقاسم حداد؟ هل شكلت أو ستشكل أي علامة فارقة على الصعيدين الحياتي والإبداعي؟ = على الصعيد الحياتي، فان ثمة مشكلات هي من طبيعة حياتي أصلاً، ربما ساهمت هذه الجائزة من الناحية المادية في مساعدتي على تخفيفها لكي يتسنى لي التنفس بحرية أكثر. وأواصل حياتي بلا أي تغيير في تفاصيلها الشخصية المستقلة التي هي ما أحب في هذه الحياة، لكي أحافظ على الجلوس في هامشي الحميم، فإنني أشعر بأنني في حرية الهامش أكثر حرية. أما على الصعيد الإبداعي، فأرجو أن ما ذكرته في القسم الأول من الجواب يتيح لي تحقيق بعض المشاريع المنتظرة في رفوف القلب. · منذ بداية الثمانينات أي منذ مجموعتي "قلب الحب" و "شظايا" وأنت تمزج بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر على رقعة واسعة من التجارب، في وقت اتسم فيه الوسط الثقافي بالاستقطاب المتشنج والمتحزب بين الأساليب المختلفة. كيف تنظر الى تلك المعارك التي لا تزال قائمة؟ = لم أعتبر في لحظة من اللحظات أنني معني بما يحدث خارج الكتابة. كتابتي خصوصاً. أكثر من هذا، لم أكن متحيزاً في أي وقت من الأوقات إلى شكل تعبير أو فني محدد دون غيره، ولا أنفي حق الجميع في التعبير بكل ما يحلو ويروق لهم من الأشكال. ما يعنيني دائما هو النص بوصفه إبداعا أحبه أو لا احبه. وحتى عندما لا احبه فان هذا لا يعني أنه ليس إبداعا، لأن ذائقتي الخاصة لا تجرؤ على الزعم بأنها يمكن أن تكون قانوناً أو حداً للآخرين، للمبدعين خصوصاً. من هنا، فان كتابتي الشعر في الوزن وخارجه لم يكن يصدر من حكم تفضيل هذا على ذاك، إنما كنت أصدر دائماً عن حرية داخلية عفوية أستسلم لفطرتها لحظة الكتابة عندما أشعر بأن ثمة جمال ما في هذه الطريق. الشعر كان هو قنديلي ودليلي الذي لا يخطئ. دون أن يكون هذا حكم قيمة ناجز على نجاح النص الذي أنجزته. لكنني، برغم العديد من الحوارات التي عشتها وعايشتها حول أشكال التعبير، فإنني توصلت سريعاً إلى ضرورة عدم صرف الوقت و الجهد خارج النص. وحتى عندما أشارك في تلك الحوارات، كنت أميل و أدعو إلى التحلي برحابة الفن والأدب، وتفادي مصادرة حريات الخيار التعبيري. لذلك فان حالات الاستقطاب والتشنج المتعصب لهذا الشكل أو ذاك لم يكن يتصل بجوهر طبيعتي الأدبية ولا الشخصية. وأظن أن التجربة الشعرية الجديدة، في سنواتها الأخيرة، قد عبرت عن النضج والرصانة التي منحتها لها طول الممارسة، بحيث سيبدو المشهد اليوم أكثر رصانة ورحابة واستعداداً لقبول مبدأ شرط الشعر في المقام الأول. · الشكل، المضمون، اللغة، كيف يتوجه الشاعر بين هذه الإحداثيات؟ = سأفترض أن هذه المصطلحات من بين الأدوات التي يمكن مصادفتها يومياً في السجالات الأدبية و النقدية خصوصا حول قضايا الشعر و التعبير الأدبي. لكنني بعد ذلك مباشرة سوف لن أكون جازماً بأنها مصطلحات واضحة الملامح المعرفية في مشهد الحوار النقدي العربي. لذلك فان مثل هذه التعبيرات ستكون عرضة لما لا يقاس من التحول، إلى درجة أن طبيعتها الجوهرية تظل في مهب موهبة وطاقة كل شاعر ومبدع على منحها الملامح و الحدود. ربما لأن كلمة (الشكل) مثلاً، هو في تجربتي الروحة و الثقافية حساسيتي الشعرية، سوف يختلف بدرجة أو بأخرى عنه في متناول شاعر آخر. مما يجعل الأمر غاية في التعقيد. ويمكننا تخيل الأمر نفسه بالنسبة لمصطلحي المضمون واللغة. ولا أقول هذا في سياق القدح، إنما أحاول توصيف ما اشعر أنه حالة أصادفها ولا أخشى منها. على العكس أعتقد بأن من طبيعة القدرة الإبداعية لدي الشاعر أن يتمكن بالفعل على التعامل مع هذه التجربة المحتدمة بقدر واضح من الموهبة و المعرفة في آن واحد. من هنا، أرجو أن تكون مثل هذه الظواهر مسافة مقترحة نتأمل طبيعتها المادية في حياتنا ونحاول أن نمنح أنفسنا قدراً من الحرية في الخروج على الحدود التي كرستها لنا التجارب الشعرية و النقدية السابقة، و التي صدرت عن وهم أن الشكل حدود، واللغة حدود، والمضمون حدود، الأمر الذي جعل الشاعر يتحرك في غرفة مظلمة من ألغام نقدية تزعم أنها حديقة المستقبل. · كنت في قلب حركة التجريب طوال ما يزيد على ثلاثة عقود، اتسمت بسرعة هائلة في حرق المراحل والانقلاب على المنجز، الآن وبعد أن اكتسبت كل الأشكال والأساليب شرعيتها، الى أين ستتجه القصيدة؟ = لا أكاد أدرك (بالضبط) ما تعنيه بتعبير (تجريب)، خصوصاً بما تسميه (حرق المراحل و الانقلاب على المنجز). صدقني إذا قلت لك أنني أشعر بالقلق إزاء مثل هذه التعبيرات و المصطلحات. وأخشى أن مثل هذه المصطلحات هي من بين ما أشرت قبل قليل بحاجتنا لمراجعته وتأمل قبل أن نواصل تداوله. فبعد التجربة الكثيفة في الكتابة الشعرية، لابد لنا من الكف عن مواصلة تداول المصطلحات نفسها بنفس الغموض و الارتجال الذي تعثرنا به طوال الوقت. فمصطلح التجريب، مثلاً، أصبح يشعرني بأننا داخل مختبر مقطوع عن الحياة الإنسانية، كما لو أننا نحاول إعادة الحياة إلى جثة ورثناها من أسلاف لم يحسنوا تقسيم التركة على أحفاد لا يفرطون في حريتهم إزاء الموت. ليس من الحكمة قبول مبدأ التجريب كما لو أنه مرحلة عابرة في حياة الشاعر لكي يختبر شكل ما أو أسلوب محدد على قدرته على (قياس درجة الحب في القلب). وبعد إنجاز النص يجري قبول التجربة أو إلغاؤها. ترى هل يمكننا تصور مثل هذه العملية في الشعر؟ ثم من قال أننا كنا نعمل على حرق المراحل في الكتابة الشعرية؟ ان مثل هذا التعبير (الأيديولوجي الوارد من أدبيات الحزب اليساري) بعد أن مارس تخريبه في منظورنا الحياتي في محاول إصلاح العالم، ليس من الحكمة قبوله ليواصل تخريبه لمحاولاتنا التعبير عن تجربتنا الإنسانية ببرائتها وعفويتها وصدقها الفطري الموهوب. وأتمنى أن نتريث كثيراً قبل أن نستخدم مثل هذه المصطلحات التي سوف تدفعني للقلق دائماً، وتوحي لي بأن ثمة خفة في النظر للمسألة الإبداعية. وإلا كيف أفهم سؤال أين تذهب القصيدة، حين يأتي بعد جملة مشحونة بمصطلحات وتعبيرات لا تنتمي لمناخ الشعر ولا تتصل بالقصيدة إلا بالنوايا الحسنة، وهي نوايا، كما تعرف، من شأنها قيادتنا إلى الجحيم. القصيدة يا سيدي لن تذهب إلى مكان آخر غير المكان الذي يأخذها الإنسان إليه. القصيدة حرة بقدر حرية الشاعر. وكلما تحرر الشاعر من ربقة الأوهام المتداولة، والمتمثلة، معظمها، في وهم القطيعة مع التجربة السابقة والانقلاب على المنجز. ليكن معلوماً دائماً خصوصاً للأجيال الجديدة، أننا لم نكن ننفي التجربة السابقة، قديمة كانت أو حديثة، بل أننا كنا نعمل على إقناعها بحيوية حقنا في الأخذ و الرفض والحوار والنقد و النقض والإضافة واقتراح خصوصية تجربتنا الجديدة، وكل هذه الملامح لا تعني بأي شكل من الأشكال نفي أو إلغاء أو القطيعة مع تلك التجارب. فان طبيعة أشياء الحياة تفرض كوننا جزءاً من سياق تاريخي و إبداعي وحضاري لما سبقنا، ومن لا يعترف بأساتذته ومعلميه لا يستطيع الزعم بأنه جاء من الهواء. القصيدة، هي إذن، تذهب إلينا. · أسمح لي بذلك السؤال الأزلي: لماذا الشعر؟ حياتيا ووجوديا؟ = الشعر، ببساطة العاشق، هو لكي أعرف أنني موجود في الحياة وانني استحق ذلك بجدارة. وهذا لا يحدث؛ إلا إذا نجحت في كتابة الشعر الجميل والجديد، وهذا لا يحدث كثيراً. · ما هي مشاريعك الآن؟ ما الذي تعكف عليه؟ ماذا سننتظر؟ أنجز نصاً بعنوان ( لا تكلمهم إلا رمزاً) ، وثمة مشاريع أخرى أعلم فيها بقدر كبير من المتعة. لا انتظر شيئاً. لا أخشى شيئاً ، لا آمل في شيء، أنا حر. هكذا قال نيكوس كزنتزاكيس ذات مرة. أجري الحوار في آب 2002
|